کد مطلب:370257 یکشنبه 20 خرداد 1397 آمار بازدید:241

الفصل الثالث من المناظرات.. والإحتجاجات












الصفحة 262












الصفحة 263


بداية:


قد قدمنا في الفصل السابق وفي غيره، نبذاً من الاحتجاجات المختلفة فيما بين علي أمير المؤمنيين (عليه السلام)، وأصحابه من جهة، وبين «الخوارج» من جهة أخرى.. ونلفت نظر القارئ إلى ما رواه ابن شداد لعائشة فيما ذكرناه في الفصل السابق، على وجه الخصوص..


ونذكر في هذا الفصل نبذة من هذه الاحتجاجات والمناظرات، ولا نسعى إلى استقصاء نصوصها، فإن الكتاب ليس معداً لذلك..


فنقول:


المناظرات والاحتجاجات:


لقد نفذ علي (عليه السلام) سياسات الإسلام في «الخوارج» بدقة، حيث ترك الساكتين منهم، فلم يهجهم.


وبالغ في الاحتجاج على الذين أعلنوا بالخصام، وبادروا إلى الانفصال وإظهار التمرد..


وقد بين لهم بما لا مدفع له خطأهم في تصوراتهم، وبغيهم في مواقفهم، ولم يقتصر الأمر على ما احتج به هو نفسه (عليه السلام) عليهم












الصفحة 264


في أكثر من موقف ومناسبة، بل احتج عليهم أيضاً أبو أيوب الأنصاري، وابن عباس، وصعصعة بن صوحان، الذي أصبحت خطبه فيهم مضرب مثل، فيقال: «أخطب من صعصعة بن صوحان إذا تكلمت الخوارج»(1).


لا تخاصمهم بالقرآن:


إن أول ما يلفت نظرنا هنا هو: أنه (عليه الصلاة والسلام) يوصي ابن عباس، حينما أرسله إلى «الخوارج» ليحاورهم، ويقيم الحجة عليهم ـ يوصيه ـ بأن: لا يخاصمهم بالقرآن، فإن القرآن حمال ذو وجوه، بل عليه أن يخاصمهم بالسنة، فإنهم لن يجدوا عنها محيصاً(2).


وفي نص آخر: «أن علي بن أبي طالب أرسل عبد الله بن عباس، إلى أقوام خرجوا، فقال له: إن خاصموك بالقرآن، فخاصمهم بالسنة»(3).


هذا.. ومن المضحك المبكي هنا: أننا نجدهم قد نسبوا هذه الكلمة بالذات إلى أعداء أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام)، قال الزمخشري: «إن الزبير رضي الله عنه قال لابنه: لاتخاصم «الخوارج» بالقرآن، خاصمهم بالسنة.


قال ابن الزبير: فخاصمتهم بها، فكأنهم صبيان يحرثون سخبهم»(4).


____________



(1) البيان والتبيين ج1 ص326 و327 وذكر المعتزلي في شرح النهج ج3 ص 398 نفس القصة مع بعض الاختلاف. فراجع..


(2) نهج البلاغة، بشرح الشيخ محمد عبده، قسم الوصايا والكتب، رقم 77 والنهاية لابن الأثير ج1 ص444 ومصادر نهج البلاغة ج3 ص 478 عنه، وربيع الأبرار ج1 ص 691، والبحار ط قديم ج8 ص 560.


(3) كنز العمال ج1 ص 307 عن أصول السنة، لابن أبي زمنين وراجع العقود الفضية ص 60 عن الإتقان للسيوطي.


(4) الفائق ج3 ص 360 ونسب قريش لمصعب الزبيري ص 103 وبهج الصباغة ج7 ص 179 والقصة فيهما مفصلة.













الصفحة 265


وكم لهم من غارات مشنونة، وتعديات محمومة ومجنونة على فضائله وكراماته، وعلى مواقفه، وأقواله، وكلماته، صلوات الله وسلامه عليه، فإن الزبير قد قتل قبل ظهور «الخوارج» بزمان طويل، وإنما بدأ ظهورهم في قصة التحكيم في صفين.


ومهما يكن من أمر.. فإن سرّ أمره (عليه الصلاة والسلام) ابن عباس بأن لا يخاصمهم بالقرآن، بل بالسنة هو أنه (عليه السلام) كان يدرك ويعرف أكثر من كل أحد، ما كانوا عليه من السطحية في الفهم، والسذاجة في التفكير، حسبما ستأتي الاشارة إليه..


والقرآن.. هو ذلك الكتاب الذي شاءت الإرادة الإلهية أن يحوي من المعارف، والدقائق والعلوم ما يكفي البشرية جمعاء، ولتجد الأمم فيه ضالتها المنشودة، وآمالها المعقودة على مدى القرون والأزمان.


فكان لابد للألفاظ القرآنية أن تتحمل كل هاتيكم المعاني، بمختلف وجوه وأنحاء التحمل الممكنة..


وقد أوضحنا هذا الأمر، في بحث لنا حول إعجاز القرآن، في الجزء الثاني من كتابنا: الصحيح من سيرة النبي الأعظم (صلى الله عليه وآله) حين الحديث عن اعجاز القرآن، والمحكم والمتشابه(1).


____________



(1) وقد يكون من الطريف أن نذكر هنا قصة لربما تشير إلى ما تحمله التعابير المختلفة من فوارق في المعاني، وإن كان لا يرتبط هذا المثال كثيراً فيما نحن فيه، والقصة هي على ما جاء في بهج الصباغة ج7 ص 176 كما يلي:


ورد: أن رجلاً قال لهشام القوطي: كم تعد؟ قال: واحد إلى ألف ألف وأكثر. قال: لم أرد هذا، كم تعد من السن؟ قال: اثنين وثلاثين، ست عشرة من أعلا وست عشرة من أسفل. قال: لم أرد هذا، كم لك من السنين؟ قال: والله، ما لي فيها شيء، السنون كلها لله تعالى. قال: يا هذا ما سنك؟ قال: عظم. قال: ابن كم أنت؟ قال: ابن اثنين،


=>













الصفحة 266


وقد لاحظ البعض(1): أنه (عليه السلام) لا يحتج عليهم بالقرآن بصورة عامة، وإنما يهتم بأن يحتج عليهم بأعمال النبي (صلى الله عليه وآله) وسلم فيقول (عليه السلام): «وقد علمتم: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) رجم الزاني، ثم صلى عليه، ثم ورثه أهله. وقتل القاتل، وورث ميراثه أهله.وقطع السارق، وجلد الزاني غير المحصن، ثم قسم عليهما من الفيء، ونكحا المسلمات، فأخذهم رسول الله (صلى الله عليه وآله) بذنوبهم، وأقام حق الله فيهم، ولم يمنعهم سهمهم من الإسلام، ولم يخرج أسماءهم من بين أهله»(2).


كما أنه (عليه السلام) قد احتج عليهم: بأن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد منّ على أهل مكة، فلم يسب نساءهم ولا ذريتهم، وبأن النبي (صلى الله عليه وآله) قد محا كلمة: «رسول الله» من صحيفة الحديبية، وبأنه (صلى الله عليه وآله) قد أعطى النصفة لأهل نجران، حيث قال: (ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين).


وبأنه (صلى الله عليه وآله) قد حكّم سعد بن معاذ في بني قريظة..


فاستأمن من «الخوارج» لذلك ثمانية آلاف(3).


____________



<=


رجل وامرأة. قال: كم أتى عليك؟ قال: لو اتى عليّ شيء لقتلني. قال: فكيف أقول؟! قال: تقول: كم مضى من عمرك؟!


(1) تاريخ المذاهب الإسلامية ص 73.


(2) نهج البلاغة [بشرح عبده] الخطبة رقم 123 ومصادر نهج البلاغة ج2 ص 285 عن تاريخ الطبري حوادث سنة 38 مع بعض التفاوت.


(3) راجع: الفتوح لابن أعثم ج4 ص122 ـ 125 والفرق بين الفرق ص 78 ـ 80 والبداية والنهاية ج7 ص 281 وغير ذلك كثير، فراجع كتب التاريخ.













الصفحة 267


وفي رواية أن مناديه (عليه السلام) قد نادى: ألا يدخل عليه (عليه السلام) إلا رجل قد قرأ القرآن.


وبعد أن امتلأت الدار بقراء القرآن دعا بمصحف عظيم، فوضعه بين يديه، فطفق يصكه بيده، ويقول: أيها المصحف، حدث الناس.


فناداه الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، ما تسأل منه، فإنه ورق ومداد..


ثم تذكر الرواية احتجاجه عليهم(1).


وذلك كله يفسر لنا ما روي عن النبي (صلى الله عليه وآله): يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن، ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم(2).


العناد واللجاج:


لقد تحدثت النصوص التاريخية عن احتجاجات كثيرة جرت بين «الخوارج» وعلي (عليه السلام) وأصحابه، ولربما ذكروا: أن هذه الاحتجاجات قد استمرت ستة أشهر.. ولا شك في أن هذه الظاهرة كانت من القوة والظهور بحيث لم تغب عن ذاكرة أي مؤلف أورد روايات خروجهم


____________



(1) راجع: تهذيب تاريخ دمشق ج7 ص 304 وكنز العمال ج11 ص 279 والبداية والنهاية ج7 ص 280 عن مسند احمد.


(2) كنز العمال ج11 ص 130 و280 عن مسلم، وأبي داود عن علي. وعن عبد الرزاق، وخشيش، وأبي عوانة، ومسلم، وابن أبي عاصم، والبيهقي. وفرائد السمطين ج 1 ص 276 ونظم درر السمطين ص 116 وخصائص الإمام علي للنسائي ص144 وفي هامشه عن سنن البيهقي ج8 ص170 وعن مسند أحمد ج1 ص88 و91 وعن سنن أبي داود، باب قتال «الخوارج».


والبداية والنهاية ج7 ص 291 وكفاية الطالب ص 176 ونزل الابرار ص 60 والرياض النضرة ج3 ص 224 و225 وروي أيضاً عن مسلم ج2 ص 748.













الصفحة 268


على علي (عليه السلام)، فقد كان البراء بن عازب رسول أمير المؤمنين (عليه السلام) إليهم، وقد بقي يدعوهم ثلاثة أيام..


فلم تزل الرسل تختلف إليهم حتى قتلوا رسوله. فلما رأى ذلك (عليه السلام) نهض فقاتلهم(1).


ويقول النص التاريخي أيضاً: «فوعظهم بكل قول، وبصّرهم بكل وجه، فلم يرجعوا»(2).


«وكاتبهم وراسلهم فلم يرتدعوا»(3).


«وبعث إليهم علي رضي الله عنه عبد الله بن عباس، فناظرهم، فرجع أكثرهم، وبقي بقيتهم، فقاتلهم علي الخ..»(4).


وقال الزهري: «خاصمت الحرورية علياً ستة أشهر.. إلى ان قال: فطالت خصومتهم، وخصومة علي بالكوفة»(5).


وقد عبر علي (عليه السلام) عن قوة وكثرة احتجاجه عليهم بقوله: «أنا حجيج المارقين»(6).


وعن احتجاجات ابن عباس وقوتها، وإحساسهم هم بذلك، يقول التلمساني: «وخرج إليهم رضي الله عنه بمن معه ورام رجعتهم فأبوا إلا القتال وكان علي أرسل إليهم عبد الله بن عباس، فاجتمع معهم، واحتج


____________



(1) راجع: بهج الصباغة ج7 ص 190 عن الطبري، وتاريخ بغداد ج1 ص 177 ومروج الذهب ج2 ص 404 و405.


(2) الفخري في الآداب السلطانية ص 94.


(3) كشف الغمة ج1 ص 265.


(4) البداية والنهاية ج7 ص 279.


(5) راجع تهذيب تاريخ دمشق ج7 ص 305 وراجع ص 306 وانساب الاشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص 353.


(6) نهج البلاغة ج1 ص 122، الخطبة رقم72.













الصفحة 269


عليهم بحجج من كتاب الله عز وجل، ومن فعل النبي (صلى الله عليه وآله)، وأبي بكر، وعمر حتى قطعهم. ولم يجدوا جواباً لما قال.


فقال بعضهم لبعض: دعوه عنكم، ولا تجيبوه، فلن تطيقوا مخاصمة ابن عباس، فإنه من القوم الذين قال الله تعالى فيهم: بل هم قوم خصمون»(1).


وقال الشبلنجي وغيره: إنهم بعد أن احتج (عليه السلام) عليهم، وأفحمهم في حروراء، قال لهم: قوموا، فادخلوا مصركم يرحمكم الله.


قالوا: ندخل، ولكن نريد أن نمكث مدة الأجل الذي بينك وبين القوم ههنا ليحيا المال، ويسمن الكراع.


فانصرف علي رضي الله عنه، وهم كاذبون فيما زعموا قاتلهم الله تعالى(2).


اعتراف «الخوارج»:


إنه لا ريب في أن علياً (عليه السلام) قد أفحم «الخوارج»، وأقام الحجة عليهم، في خطبه وفي مناظراته أكثر من مرة، وفي أكثر من مناسبة. ولا ريب في أن الحق كان هو الفيصل، وهو الأساس القوي في رجوع الكثيرين منهم إلى جادة الصواب، وصرفهم عن مواصلة التمرد، أو على الأقل في إيجاد حالة من التردد لديهم تمنعهم من مواصلة نهجهم الظالم، الذي لا يعتمد على أساس صحيح، الأمر الذي نتج عنه تأخير المواجهة في أكثر من موطن، حتى لقد اعترفوا أنفسهم بهذا الأمر، فقالوا:


____________



(1) الجوهرة في نسب علي بن أبي طالب وآله ص 108.


(2) نور الأبصار ص 99 وراجع: الكامل لابن الأثير ج3 ص 238 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 85/86.













الصفحة 270


«.. وقد ردنا بكلامه الحلو في غير موطن»(1).


وحلاوة كلامه (عليه السلام) هي فيما يجلّيه لهم من معالم الحق، من موقع الرأفة بهم، وحب الرشد والهداية لهم، والخوف والخشية عليهم، من أن تأخذهم العزة بالإثم، نعوذ بالله، وإليه نلجأ وبه نعتصم من الخذلان، ومن وساوس الشيطان.


تأثير المناظرات والخطب والمناشدات:


وقد كان لتلك المناظرات والاحتجاجات والخطب تأثير بالغ في حقن دماء الألوف منهم، حيث أظهرت لهم خطأهم في مواقفهم، فرجعوا إلى الحق، أو عرفوا أن ما يستندون إليه لا يصلح للاستناد.


وقد ذكر الحارثي الإباضي: أنه بعد أن توقف القتال في صفين انفصلت عنه المحكمة، وهم ما بين أربعة آلاف وستة وعشرين ألفاً(2).


وعن الشماخي: قيل أربعة وعشرون ألفاً(3).


وقد ذكر ابن عبد ربه: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) ناظرهم، فرجع ستة آلاف، ثم ناظرهم ابن عباس فرجع منهم ألفان. وذلك قبل خروجهم إلى النهروان. وقبل تأمير الراسبي عليهم. وبقي أربعة آلاف..


وكان منهم ألفان في الكوفة يسرّون أمرهم(4).


____________



(1) مناقب الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام) لابن المغازلي ص 407.


(2) العقود الفضية ص 38.


(3) العقود الفضية ص 46.


(4) راجع: العقد الفريد ج2 ص 388 و389.













الصفحة 271


وقد صرحت بعض المصادر برجوع ثمانية آلاف منهم من دون تفصيل(1).


وذكرت مصادر أخرى رجع ألفين منهم بسبب مناظرات ابن عباس لهم(2).


لكن بعض المصادر أطلقت القول بأن الراجعين من «الخوارج» كانوا أربعة آلاف(3).


وادعى بعضهم أنه قد بقي من الأربعة آلاف ألف وثمان مئة، وقتل منهم ألف وخمس مئة(4).


وعند ابن كثير: أنه لم يبق منهم إلا ألف أو اقل(5).


وصرح عبد الرزاق بأن الراجعين منهم كانوا عشرين ألفاً(6).


وفصل ابن كثير فادعى: أن «الخوارج» كانوا ستة عشر ألفاً، أو اثني عشر ألفاً.. فناظرهم علي (عليه السلام) حتى رجعوا معه إلى الكوفة.


____________



(1) راجع: كشف الغمة ج1 ص 266 والفتوح لابن أعثم ج4 ص 125 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 193 وغير ذلك..


(2) الجوهرة في نسب علي (عليه السلام) وآله ص 108 وشذرات الذهب ج1 ص 50 وبهج الصباغة ج7 ص 166 عن كامل المبرد وتذكرة الخواص ص 99 وتلبيس إبليس ص 93 وانساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص 361 و355 والمناقب للخوارزمي ص 185.


(3) راجع: مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن المغازلي ص 413 وتهذيب تاريخ دمشق ج7 ص 304 والبداية والنهاية ج7 ص 281 و282 والمصنف لعبد الرزاق ج10 ص 148.


(4) بهج الصباغة ج7 ص 168.


(5) البداية والنهاية ج 7 ص 289.


(6) المصنف ج10 ص 160.













الصفحة 272


وذلك يوم عيد الفطر، أو الأضحى ـ شك الراوي ـ ثم جعلوا يعرّضون له في الكلام، ويسمعونه شتما..


ثم خرجوا إلى النهروان، فكان هناك ما هو معلوم(1).


وبذلك يتضح: عدم صحة ما ذكره المعتزلي، من أن «الخوارج» لم يرجعوا؛ لأن علياً حاججهم بالقرآن حيث قال: «ولذلك لم يرجعوا، والتحمت الحرب، وإنما رجع باحتجاجه نفر منهم»(2).


فإن احتجاجه بالقرآن لا يمكن أن يكون هو السبب في عدم رجوعهم.. وقد عرفنا رجوع الألوف منهم حتى لم يبق سوى أربعة آلاف من أصل ستة وعشرين ألفاً، أو ما يقرب من ذلك، فهل هؤلاء «نفر منهم» على حد تعبيره؟.


خوف «الخوارج» من المناشدات والاحتجاجات:


وقد أصبح «الخوارج» يخشون تأثير، احتجاجات ومناشدات علي (عليه السلام) لهم، ويحذرون بعضهم بعضاً من التاثر بها. إذ أن ذلك أوجب ردهم عن الحرب أكثر من مرة.


وقد جاء: أن الراسبي الخارجي قال لأصحابه: «القوا الرماح، وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء، فترجعوا، فوحشوا برماحهم..» (3).


____________



(1) البداية والنهاية ج7 ص 282.


(2) شرح نهج البلاغة ج 18 ص 72.


(3) المصنف للصنعاني ج10 ص 148 وفي هامشه عن البيهقي ج8 ص 170 وعن مسلم والبداية والنهاية ج7 ص 291 والرياض النضرة ج3 ص 225 وكفاية الطالب ص 177 ونزل الأبرار ص 60 عن مسلم ج2 ص 748 و749 ونظم درر السمطين ص 117 لكنه قال: إن ذلك هو قول علي (عليه السلام) وكنز العمال ج11 ص 280 و281 [عن مسلم ج1 ص 343 وعن عبد الرزاق وخشيش، وأبي عوانة، وابن أبي عاصم، والبيهقي] وفرائد السمطين ج1 ص 276..













الصفحة 273


وعن زيد بن وهب، قال: خطبنا علي (عليه السلام) بقنطرة الديرخان، فقال: أن قد ذكر لي بخارجة تخرج من قبل المشرق، وفيهم ذو الثدية، فقاتلهم.


فقالت الحرورية بعضها لبعض: فردّكم كما يردكم يوم حروراء، فشجر بعضهم بعضاً بالرماح(1).


شذرات من المناظرات والاحتجاجات:


وقد ذكرت الروايات التاريخية نصوصاً متنوعة لما جرى بين علي (عليه السلام) وأصحابه من جهة، وبين «الخوارج» من الجهة الأخرى، ونحن نورد هنا بعضاً من تلك الاحتجاجات، فنقول:


ورد في النصوص: أن علياً (عليه السلام) قد أمر قنبراً، فقال لهم: ما نقمتم على أمير المؤمنين؟! ألم يعدل في قسمتكم، ويقسط في حكمكم، ويرحم مسترحمكم، لم يتخذ مالكم دولاً؟.


ولم يأخذ منكم إلا السهمين اللذين جعلهما الله: سهماً في الخاصة، وسهماً في العامة(2).


ويقول نص آخر:


____________



(1) خصائص علي بن أبي طالب (عليه السلام) للنسائي ص 143 وراجع: تاريخ بغداد ج7 ص 237 وج1 ص 159.


(2) مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن المغازلي ص 407.













الصفحة 274


ثم إنهم خرجوا بحروراء، أولئك العصابة من «الخوارج» بضعة عشر ألفاً، فأرسل إليهم علي ينشدهم الله، فأتوا (فأبوا) عليه. فأتاهم صعصعة بن صوحان وقال:


علام تقاتلون خليفتكم؟!


قالوا: مخافة الفتنة.


قال: فلا تعجلوا ضلالة العام مخافة فتنة عام قابل.


فرجعوا، وقالوا: نسير على ما جئنا، فإن قبل علي القضية قاتلنا على ما قاتلنا يوم صفين. وإن نقضها قاتلنا معه حتى بلغوا النهروان.


فافترقت منهم فرقة، فجعلوا يهدون الناس ليلاً، قال أصحابهم: ويلكم، ما على هذا فارقنا علياً.


فبلغ علياً أمرهم، فخطب الناس، فقال: ما ترون؟ نسير إلى أهل الشام؟ أم نرجع؟! (1).


هل قصّر ابن عباس في الاحتجاج؟


وعلى كل حال.. فإن «الخوارج» يروون أنهم قد أفحموا ابن عباس، وأنه قد رجع إليهم. وقبل بمقالتهم.. وسيأتي ذلك إن شاء الله تعالى.. وسنبين أنه كلام مزيف وغير مقبول..


وبغض النظر عن ذلك، فإننا نجد أنهم يذكرون: أن علياً (عليه السلام) قد نهى ابن عباس عن مناظرتهم في غيبته فتسرع، ودخل معهم في حوار ظهر فيه أنه غير قادر على رد الحجة بأقوى منها..


فتولى علي (عليه السلام) ذلك..


____________



(1) مجمع الزاوئد ج6 ص238.













الصفحة 275


ولا نريد أن نقول: إن ذلك مكذوب على ابن عباس من الأساس..


بل نحتمل احتمالاً معقولاً: أن يكون رحمه الله، قد فوجئ ببعض مقولاتهم، واضطرب في إجاباته عنها. ثم تدارك مواقع ضعفه، بما عرفه وسمعه من أمير المؤمنين (عليه السلام)، الذي أسقط كل ما تعلقوا به من طحلب الأوهام، وأزاح كل ما أثاروه من غبار شبهات واهية.


بل ذكرت بعض النصوص: أنه (عليه السلام) كان في بعض مواقف الاحتجاج عليهم، على مقربة من ابن عباس يلقنه ما يقوله لهم، ويلقي إليه ما يحتج به عليهم.


ونذكر فيما يلي للقارئ الكريم بعض ما يوضح ما قلناه، فنقول:


إن بعض النصوص تذكر: أن علياً (عليه السلام) نهى ابن عباس عن مجادلتهم، حتى يأتيه. لكن ابن عباس لم يصبر عن جوابهم، فدخل معهم في نقاش لم يكن موفقاً فيه.


فجاء علي (عليه السلام) وهو يخاصمهم ويخاصمونه، فقال له علي (عليه السلام): ألم أنهك عن كلامهم؟!.


فكلم علي (عليه السلام) ابن الكواء زعيمهم الخ(1).


وحسب نص آخر: أن ابن عباس خاطب «الخوارج» بحضور علي (عليه السلام)، فلما فرغوا من احتجاجهم قال: يا أمير المؤمنين قد سمعت ما قال القوم، وأنت أولى بالجواب مني.


____________



(1) راجع: نور الأبصار ص 98 و99 والفصول المهمة لابن الصباغ ص 84 و85 والكامل في التاريخ ص 327 و328.













الصفحة 276


فقال علي (عليه السلام): [لا ترتابن، قد ظفرت بهم، والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة](1).


هل هذه الاحتجاجات موضوعة؟!


قال ابن الاسكافي، وغيره..


لما رجع علي (عليه السلام) إلى الكوفة، لم يدخل معه أصحاب البرانس، واعتزلوه، وأتوا حروراء، ونزل بها منهم اثنا عشر ألفاً.


وبعث علي (عليه السلام) بعبد الله بن عباس إلى «الخوارج»، وقال له: لا تعجل إلى جوابهم وخصومتهم حتى آتيك.


فلما لقيهم جعلوا يكلمونه، فلم يصبر حتى سألهم، فقال لهم: كيف نقمتم على الحكمين، وقد قال الله تعالى: (فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما)(2).


فزعموا: أن «الخوارج» قالت: كلما جعل الله حكمه إلى الناس، وأمرهم بالنظر فيه، فهو إليهم. وما نفذ حكم الله فيه فليس لهم رده، وعليهم إمضاؤه، وكذلك عليهم الإمضاء على محاربة أهل البغي.


فقال ابن عباس: وأنتم الذين وادعتم وشككتم دوننا.


وذكروا: أن ابن عباس قال لهم: فإن الله تعالى يقول: (يحكم به ذوا عدل منكم)(3).


____________



(1) مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن المغازلي ص 406 وراجع الفتوح لابن أعثم ج4 ص 122 ولم يذكر جوابه (عليه السلام) لابن عباس وراجع الاحتجاج ج1 ص 99 ـ 100.


(2) سورة النساء الآية 35.


(3) سورة المائدة، الآية 95.













الصفحة 277


فقالت «الخوارج»: فعدل عندك عمرو وأبو موسى؟! هذه الآية بيننا، فإن كان عمرو عدلاً فنحن غير عدول.


فقال لهم: ابن عباس: فقد قال الله: فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها أرأيتم، إن كانت المرأة يهودية، أليس قد دارت حكومة أهلها، وهم غير عدول(1).


الحجة الدامغة هي حجة علي (عليه السلام):


وقال ابن الإسكافي وغيره: إن علي بن أبي طالب (عليه السلام) خرج إلى «الخوارج»، فأتى فسطاط يزيد بن قيس، فدخله، فتوضأ فيه، وصلى ركعتين. ثم خرج حتى انتهى إليهم، وهم يخاصمون ابن عباس، فقال علي لابن عباس: انته عن كلامهم. ألم أنهك، رحمك الله؟!.


ثم تكلم علي، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال:


إن هذا مقام من فتح الله فيه،كان أولى بالفتح يوم القيامة. ومن نطق فيه وأوعب، فهو في الاخرة أعمى وأضل سبيلا.


ثم قال لهم: من زعيمكم؟


قالوا: ابن الكواء.


قال علي: فما أخرجكم من حكمنا؟!


قالوا: حكومتكم يوم صفين.


قال: نشدتكم بالله، أتعلمون أنهم حيث رفعوا المصاحف، فقلتم: نجيبهم إلى كتاب الله. قلت لكم: إني أعلم بالقوم منكم، إنهم ليسوا بأصحاب دين، ولا قرآن، فإني قد صحبتهم، وعرفتهم أطفالاً ورجالاً،


____________



(1) راجع: المعيار والموازنة ص 194 ـ 196.













الصفحة 278


فكانوا شر أطفال، وشر رجال. امضوا على حقكم وصدقكم، فإنما رفع القوم لكم هذه المصاحف خديعة، ووهنا، ومكيدة.


فرددتم علي رأيي، وقلتم: لا بل نقبل منهم.


فقلت لكم: اذكروا قولي، ومعصيتكم إياي، فلما أبيتم إلا الكتاب اشترطت على الحكمين أن يحييا ما أحيا القرآن، وأن يميتا ما أمات القرآن، فإن حكما بحكم القرآن، فليس لنا أن نخالف حكم من حكم بما في الكتاب، وإن أبيا فنحن من حكمهما براء.


فهل قام إليَّ رجل، فقال: يا علي، إن هذا الأمر أمر الله، فلا تعطه القوم؟


قالوا: لا.


قالوا: فأخبرنا، أتراه عدلاً تحكيم الرجال في الدماء؟


قال: إنا لسنا الرجال حكّمنا، وإنما حكّمنا القرآن، وهو خط مسطور بين لوحين، لا ينطق حتى يتكلم به الرجال. وأنتم حكمتم أبا موسى، وجئتموني، وأتيتموني به مبرنساً. وقلتم: لا نرضى إلا به. ومعاوية حكم عمروا!..


[ثم قال]: وأخبرني عنك يا ابن الكواء، متى سمي أبو موسى حكماً؟! أحين أرسل؟ أم حين حكم؟


قال: حين حكم.


قال: فقد سار وهو مسلم، وأنت ترجو ان يحكم بما أنزل الله.


قال: نعم.


قال: فلا أرى الضلال في إرساله، إذ كان عدلاً.












الصفحة 279


قالوا: فخبرنا عن الأجل لم جعلته بيننا وبينهم؟


قال: ليتعلم الجاهل، ويثبّت العالم. ولعل الله أن يصلح في تلك المدة بين الأمة.


ثم قال علي: أرأيتم، لو أن رسول الله (عليه السلام) أرسل رجلاً مؤمنا يدعو قوماً مشركين إلى كتاب الله، فارتد على عقبه كافرا، كان يضر النبي صلى الله عليه شيئاً؟


قالوا: لا.


قال: فما ذنبي، إن ضل أبو موسى، ولم أرض بحكومته إذ حكم، ولا بقوله إذ قال.


قالوا: أفرأيت كتابك باسمك واسم أبيك، وتركك اسمك الذي سماك الله به بإمرة المؤمنين؟!.


قال علي: على يدي دار مثل هذا الحديث.


كتب النبي (عليه السلام): هذا كتاب من محمد رسول الله.


وقال أبو سفيان، وسهيل بن عمرو: لا نقر ولا نعرف أنك رسول الله، لقد ظلمناك إذاً إن شهدنا أنك رسول الله، ثم قاتلناك، ولكن اكتب باسمك واسم أبيك.


فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) اكتب من محمد بن عبد الله، فإن ذلك لا يضر نبوتي شيئاً.


فكتبها رسول الله (صلى الله عليه وآله) لآبائهم، وكتبتها أنا لابنائهم.


قالوا: صدقت. ولكن بقيت خصلة: إنا قد علمنا أنك لم ترض بحكمهم حتى شككت، وكتبت في كتابك: إن جرني كتاب الله إليك












الصفحة 280


تبعتك، وإن جرك إلي تبعتني. تعطي هذا القول وقد أحصا [لعل الصواب: خاضت] خيلنا في دمائهم؟! وما فعلت هذا حتى شككت.


فقال علي: نبئني أنت ومن معك أولى بأن لا تشكّوا في دينكم أم المهاجرون والأنصار؟


أم أنا أولى بالشك، أم معاوية؟


قال ابن الكواء: النبي (عليه السلام) أولى باليقين منك.. وأهل الشام خير من مشركي قريش. والمهاجرون والأنصار خير منا.


قال: أفرأيت الله حين يقول لرسوله: (قل: فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما اتبعه إن كنتم صادقين).


أشك النبي (عليه السلام) فيما هو عليه حين يقول هذا؟ أم أعطاهم إنصافاً؟!


فقال ابن الكواء: خصمتنا ورب الكعبة، وأنت أعلم منا بما صنعت.


فقال علي (عليه السلام): ادخلوا مصركم رحمكم الله.


فلم يبرح علي (عليه السلام) حتى تفرقوا، ودخلوا معه، وقلبوا أترستهم(1).


نص آخر:


وقد روى ابن المغازلي عن:


____________



(1) راجع: المعيار والموازنة ص 198 ـ 201.













الصفحة 281


عبيدة بن بشر الخثعمي عن أبيه قال: خرج عليّ بن أبي طالب (عليه السلام) يريد «الخوارج» إذ أقبل رجل يركض حتى انتهى إلى أمير المؤمنين علي (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين البشرى!


قال: هات ما بشراك؟


قال: قد عبر القوم النهروان لما بلغهم عنك،؟ وقد منحك الله أكتافهم.


فقال: الله، لأنت رأيتهم قد عبروا؟


فقال: والله، لأنا رأيتهم حين عبروا.


فحلّفه ثلاث مرات في كل ذلك يحلف له.


فقال له أمير المؤمنين: كذبت والذي فلق الحبة وبرأ النسمة ما عبروا النهروان، ولن يبلغوا الأثلاث ولا قصر بوران، حتى يقتلهم الله على يديّ، لا ينجو منهم تمام عشرة، ولا يقتل منا عشرة: عهداً معهوداً، وقدراً مقدوراً، وقضاء مقضياً، وقد خاب من افترى.


ثم أقبل أيضاً آخر، حتى جاءه ثلاثة، كلهم يقولون مقالة الأول، ويقول لهم مثل ذلك.


ثم ركب، فأجال في ظهر بغلته، ونهض الشاب، وأجال في ظهر فرسه، وهو يقول في نفسه، والله لأنطلقن مع علي، فان كان القوم قد عبروا لأكونن من أشد الناس على علي (عليه السلام)، فلما انتهى إلى النهروان أصابوا القوم قد كسروا جفون سيوفهم، وعرقبوا دوابهم، وجثوا على ركبهم، وحكموا بحكم رجل واحد، واستقبلوا علياً بصدور الرماح، فقال علي (عليه السلام): حكم الله أنتظر فيكم.












الصفحة 282


فنزل إليه الشاب فقال: يا أمير المؤمنين إني قد شككت في قتال القوم، فاغفر ذلك لي.


فقال علي: بل يغفر الله الذنوب، فاستغفره.


ثم نادى علي (عليه السلام) قنبر، فقال: يا قنبر، ناد القوم ما نقمتم على أمير المؤمنين؟ ألم يعدل في قسمتكم، ويقسط في حكمكم، ويرحم مسترحمكم؟ لم يتخذ مالكم دولاً، ولم يأخذ منكم إلا السهمين اللذين جعلهما الله: سهماً في الخاصة وسهماً في العامة؟


فقالت «الخوارج»: يا قنبر، إن مولاك رجل جدل؟، ورجل خصم، وقد قال الله تعالى: بل هم قوم خصمون، وهو منهم، وقد ردّنا بكلامه الحلو في غير موطن، وجعلوا يقولون: والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.


قال علي (عليه السلام): يا ابن عباس انهض إلى القوم فادعهم بمثل الذي دعاهم به قنبر، فاني أرجو أن يجيبوك.


فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين ألقي عليّ حلتي، وألبس عليّ سلاحي؟ فإني أخاف على نفسي.


قال: بلى، فانهض إليهم في حلتك، فمن أيّ يوميك من الموت تفرّ؟ يوم لم يقدر أو يوم قد قدر؟


قال: فنهض ابن عباس إليهم، وناداهم بمثل الذي أمره به.


فقالت طائفة: والله لا نجيبه حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين.


وقال أصحاب الحجج في أنفسهم منهم: والله لنجيبنه، ولنخصمنّه، ولنكفرنّه وصاحبه لا ينكر ذلك.












الصفحة 283


فقالوا: ننقم عليه خصالاً كلها موبقة، وإما مكفرة، أما أولهن فإنه محا اسمه من أمير المؤمنين، حيث كتب إلى معاوية، فإن لم يكن أمير المؤمنين فانه أمير الكافرين، لأنه ليس بينهما منزلة، ونحن مؤمنون، وليس نرضى أن يكون علينا أميراً.


ونقمنا عليه أن قسم علينا يوم البصرة ما حوى العسكر، وقد سفك الدماء، ومنعنا النساء والذراري، فلعمري إن كان حلّ هذا فما حرم هذا؟


ونقمنا عليه يوم صفين أنه أحب الحياة وركن إلى الدنيا جبنا؛ منعنا أن نقاتل معه وأن ننصره، حيث رفعت لنا المصاحف؛ فهلا ثبت وحرّض على قتال القوم، وضرب بسيفه حتى يرجع إلى أمر الله، ونقاتلهم، والله يقول: (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله).


وننقم عليه أنه حكم الحكمين فحكما بجور لزمه وزره.


ونقمنا عليه أنه ولى الحكم غيره، وهو عندنا من أحكم الناس.


ونقمنا عليه أنه شك في نفسه حين أمر الحكمين أن ينظرا في كتاب الله: فإن كان معاوية أولى بالأمر ولوه. فإن شك في نفسه فنحن أعظم فيه شكاً.


ونقمنا عليه أنه كان وصياً فضيّع الوصية.


ونقمنا عليك يا بن عباس حيث جئت ترفل إلينا في حلة حسنة تدعونا إليه.


فقال ابن عباس: يا أمير المؤمنين قد سمعت ما قال القوم، وأنت أولى بالجواب مني! فقال علي (عليه السلام): لاترتابن ظفرت بهم والذي فلق الحبة وبرأ النسمة نادهم:












الصفحة 284


ألستم ترضون بما أنبؤكم به من كتاب الله، لا تجهلون به، وسنة رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا تنكرونه؟


قالوا: اللهم بلى.


قال: أبدأ بما بدأتم به، عليّ مدار الأمر، أنا كاتب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث كتب بسم الله الرحمن الرحيم: من محمد رسول الله (صلى الله عليه وآله) إلى سهيل بن عمرو، وصخر بن حرب ومن قبلهما من المشركين عهداً إلى مدة.


فكتب المشركون: إنا لو علمنا أنك رسول الله ما قاتلناك، فاكتب إلينا باسمك اللهم، فإنه الذي نعرف، واكتب إلينا ابن عبد الله.


فأمرني، فمحوت: رسول الله، وكتبت: ابن عبد الله.


وكتبت إلى معاوية: من عليّ أمير المؤمنين إلى معاوية بن أبي سفيان، وعمرو بن العاص، ومن قبلهما من الناكثين عهداً إلى مدة.


فكتبوا: إنا لو علمنا أنك أمير المؤمنين ما قاتلناك، فاكتب إلينا من علي بن أبي طالب نجبك.


فمحوت: أمير المؤمنين وكتبت: ابن أبي طالب، كما محا رسول الله (صلى الله عليه وآله) وكما كتب، فإن كنتم تلغون بسم الله الرحمن الرحيم أن محاها، وتلغون رسول الله أن محاها، ولا تثبتونه. فالغوني ولا تثبتوني، وإن أثبتموه، فإن الله تعالى قال: ما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا، وقال: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة، فاستننت برسول الله (صلى الله عليه وآله).


قالوا: صدقت هذه بحجتنا هذه.












الصفحة 285


قال: وأما قولكم إني قسمت بينكم ما حوى العسكر يوم البصرة، فأحللت الدماء ومنعتكم النساء والذرية، فإني مننت على أهل البصرة لما افتتحتها وهم يدعون الإسلام، كما منّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) على أهل مكة وهم مشركون لما افتتحها، وكانوا أولادهم، ولدوا على الفطرة قبل الفرقة بدينهم، وإن عدوا علينا أخذناهم بذنوبهم، فلم ناخذ صغيراً بذنب كبير، وقد قال الله تعالى في كتابه: ومن يغلل يأت بما غلّ يوم القيامة. وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله): لو أن رجلاً غل عقالاً من الحرب لأتى الله يوم القيامة وهو مغلول به، حتى يؤديه.


وكانت أم المؤمنين أثقل من عقال، فلو غللتها، وقسمت سوى ذلك، فإنه غلول.


ولو قسمتها لكم، وهي أمكم لاستحل منها ما حرم الله فأيكم كان يأخذ أم المؤمنين في سهمه وهي أمه؟


قالوا: لا أحد، وهذه بحجتنا هذه.


قال: وأما قولكم: إني حكمّت الحكمين، فقد عرفتم كراهتي لهما إلا أن تكذبوا وقولي لكم: ولُّوها رجلاً من قريش.


فإن قريش لا تخدع، فأبيتم إلا أن وليتموها من وليتم.


فإن قلتم: سكت حيث فعلنا ولم تنكر.. فإنما جعل الله الإقرار على النساء في بيوتهن. ولم يجعله على الرجال في بيوتهم.


فإن كذبتم وقلتم: أنت حكمت ورضيت، فإن الله قد حكم في دينه الرجال وهو أحكم الحاكمين، فقال: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرم، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم) وقال: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا












الصفحة 286


حكماً من أهله وحكماً من أهلها)، فإنما على الانسان الاجتهاد في استصلاح الحكمين، فإن عدلا كان العدل فيما أرياه أولى، وإن لم يعدلا فيه وجارا، كان الوزر عليهما، (ولا تزر وازرة وزر أخرى) قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.


قال: وأما قولكم: اني حكمت، وأنا أولى الناس بالحكم، فقد حكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) سعد بن معاذ يوم اليهود، فحكم بقتل مقاتليهم و سبي ذراريهم، وجعل أموالهم للمهاجرين دون الأنصار.


فقالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.


قال: وأما قولكم: إني قلت للحكمين: انظروا في كتاب الله، فإن كان معاوية أحق بها مني فأثبتوه، وإن كنت أولى بها فأثبتوني.


فلو أن الحكمين اتقيا الله ونظرا في القرآن، عرفا أني كنت من السابقين بإسلامي قبل معاوية، و معاوية مشرك، وعرفت أنهم إذا نظروا في كتاب الله وجدوني يجب لي على معاوية الاستغفار لأني سبقته بالإيمان، ولا يجب لمعاوية عليّ الاستغفار، ووجدوني يجب لي على معاوية خمس ما غنمتم، لأن الله تبارك وتعالى أمر بذلك إذ يقول: (واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه) الآية.


فإذا حكما بما أنزل الله أثبتوني ولو قلت: احكموا وأثبتوني، ابى معاوية. لكني أظهرت لهم النصفة حتى رضي، كما أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) لو قال: أجعل لعنة الله عليكم، أبوا أن يباهلوا، ولكن جعل لعنة الله على الكاذبين، فهم الكاذبون، واللعنة عليهم، ولكن أظهر لهم النّصفة، فقبلوا.












الصفحة 287


قالوا: صدقت هذه بحجتنا هذه.


قال: وأما قولكم: إن كان معاوية أهدى مني فأثبتوه. فإنني قد عرفت أنهم لا يجدونه أهدى مني، وقد قال تعالى لنبيه: (قل فأتوا بكتاب من عند الله هو أهدى منهما أتبعه)، فقد عرفتم أنهم لا يأتون بكتاب من عند الله هو أهدى من القرآن، فكذلك عرفت أنهم لا يجدون معاوية أهدى مني.


وأما قولكم: إن الحكمين كانا رجلي سوء فلم حكمتهما؟ فإنهما لو حكما بالعدل لدخلا فيما نحن فيه، وخرجا من سوئهما، كما أن أهل الكتاب لو حكموا بما أمر الله حيث يقول: (وليحكم أهل الانجيل بما أنزل الله فيه) خرجوا من كفرهم إلى ديننا.


قالوا: صدقت وهذه بحجتنا هذه.


قال: وأما قولكم: إني كنت وصيا فضيعت الوصية، فإن الله تعالى قال في كتابه: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً). ولو ترك الحج من استطاع إليه سبيلا كفر، ولم يكن البيت ليكفر، ولو تركه الناس لا يأتونه، ولكن كان يكفر من كان يستطيع إليه السبيل فلا يأتيه، وكذلك أنا: إن أكن وصياً فإنكم كفرتم بي، لا أنا كفرت بكم بما تركتموني.


قالوا: صدقت هذه بحجّتنا هذه.


قال: وأما قولكم: إن ابن عباس جاء يرفل في حلة حسنة يدعوكم إلى ما يدعوكم إليه، فقد رأيت أحسن منها على رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم حرب.












الصفحة 288


فرجع اليه من «الخوارج» أكثر من أربعة آلاف، وثبت على قباله أربعة آلاف. وأقبلوا يحكِّمون.


فقال علي (عليه السلام): حكم الله أنتظر فيكم. يا هؤلاء؟ أيُّكم قتل عبدالله بن خبّاب بن الأرت وزوجته وابنته؟ يظهر لي أقتله بهم، وأنصرف، عهدا إلى مدة، حكم الله أنتظر فيكم.


فنادوا: كلنا قتل ابن خبّاب وزوجته وابنته، وأشرك في دمائهم.


فناداهم أمير المؤمنين (عليه السلام): أظهروا لي كتائب وشافهوني بذلك، فإني أكره أن يقر به بعضكم في الضوضاء ولا يقر بعض، ولا أعرف ذلك في الضوضاء ولا أستحل قتل من لم يقر بقتل من أقر. لكم الأمان حتى ترجعوا إلى مراكزكم كما كنتم.


ففعلوا، وجعلوا كلما جاء كتيبة سألهم عن ذلك، فإذا أقروا عزلهم ذات اليمين، حتى أتى على آخرهم.


ثم قال (عليه السلام): ارجعوا إلى مراكزكم. فلما رجعوا ناداهم ثلاث مرات: رجعتم كما كنتم قبل الأمان من صفوفكم؟


فنادوا كلهم: نعم!


فالتفت إلى الناس فقال (عليه السلام): الله أكبر! الله أكبر! والله لو أقرّ بقتلهم أهل الدنيا وأقدر على قتلهم لقتلتهم، شدُّوا عليهم، فأنا أوّل من شدّ عليهم. وعزل بسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث مرات، كل ذلك يسوِّيه على ركبتيه من اعوجاجه ثم شدَ الناس معه، فقتلوهم، فلم ينج منهم تمام عشرة.


فقال (عليه السلام): آتوني بذي الثُدية، فإنه في القوم، فقلب الناس القتلى فلم يقدروا عليه، فأتي. فأُخبر بذلك، فقال (عليه السلام): الله












الصفحة 289


أكبر، والله ما كذبت، ولا كذبت، وإنه لفي القوم.


ثم قال: ائتوني بالبغلة فانّها هادية مهدية، فركبها ثم انطلق حتى وقف على قليب، ثم قال: قلّبوا.


فقلّبوا سبعة من القتلى، فوجدوه ثامنهم، فقال: الله أكبر! هذا ذو الثُدية الذي خبَّرني رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنه يقتل مع شر خيلٍ.


ثم قال (عليه السلام): تفرقوا. فلم يقاتل معه الذين كانوا اعتزلوا، كانوا وقوفا في عسكره على حدة (1).


جولة جديدة من الاحتجاجات:


قال الزهراوي: خاصمت الحرورية علياً ستة أشهر, فقالوا! شككت في أمر الله الذي ولاك, وحكمت عدوك , ووهنت في الجهاد.


____________



(1) مناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن المغازلي ص406 ـ 414 وقد قال المعلق على الكتاب ما يلي:


احتجاج علي (عليه السلام) مع «الخوارج» وهكذا احتجاج ابن عباس لهم مشهورة رواها النسائي في الخصائص ص 48 إلى 50 والمحب الطبري في الرياض النضرة ج2 ص 240 مقتصرا على ثلاث حجج منها.


وأخرجه الهيثمي في مجمع الزوائد ج6 ص236 من طريق أبي يعلى قال: ورجاله ثقات وفي ص 237 من طريق أبي يعلى أيضاً وقال: رجاله رجال الصحيح وفي ص238 و239 من طريق أبي يعلى والبزار وقال: رجال أبي يعلى ثقات ومن طريق الطبراني وأحمد وقال: رجالهم رجال الصحيح. وهكذا ذكره أبو العباس المبرد في كتابه الكامل ص942 ـ 945 وخرّجه عنه الشارح المعتزلي في شرح النهج ج1 ص204 وأخرجه من أعلام الإمامية أبو منصور الطبرسي في الإحتجاج ص 99 ـ 100 وألفاظه أشبه بما رواه المؤلف في الصلب وأخرجه أبو جعفر السروي في مناقب آل أبي طالب ج3 ص188 ـ 189 بغير هذا اللفظ.














الصفحة 290


إلى أن قال: فطالت خصومتهم وخصومة علي بالكوفة , ثم أصبحوا يوماً وقد زالوا براياتهم , وهم خمسة آلاف عليهم ابن الكواء , فقطع بقتالهم. وأرسل علي إليهم عبد الله بن عباس، وصعصعة بن صوحان , من عبد القيس , فناشدوهم ودعوهم إلى الجماعة, فأبوا عليهم.


فلما رأى علي ذلك أرسل إليهم: إنا ندعوكم إلى مدة نتدارس فيها كتاب الله، لعلنا نصطلح فمادّوه بضعة عشر ليلة.


فقال علي (عليه السلام): إبعثوا منكم اثني عشر نقيباً ونبعث منا مثلهم، ثم ابرزوا بنا إلى مكان ـ سمّاه ـ يجتمع الناس فيه، ويقوم فيه خطباؤنا بحججنا.


ففعلوا، ورجعوا إلى الناس.


فقام علي فتشهد، وقال:


أما بعد, فإني لم أكن أحرصكم على هذه القضية, وعلى التحكيم, ولكنكم وهنتم في القتال, وتفرقتم علي, وحاكمتموني بالقرآن, فخشيت إن أبيت الذي عرض علي القوم من كتاب الله أن يتأولوا كتاب الله علي (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يدعون إلى كتاب الله ليحكم بينهم ثم يتولى فريق منهم وهم معرضون. ذلك بأنهم قالوا: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودات، وغرهم في دينهم ما كانوا يفترون).


وخشيت أن يتأولوا علي قول الله: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد وأنتم حرمٌ، ومن قتله منكم متعمداً فجزاء مثل ما قتل من النعم، يحكم به ذوا عدل منكم هدياً بالغ الكعبة).












الصفحة 291


وخشيت أن يتأولوا علي قول الله في الرجل وامرأته: (وإن خفتم شقاق بينهما فابعثوا حكماً من أهله وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما).


فيقولوا لي إن أبيت أن أحكم فيها: قد دعاك القوم إلى كتاب الله ليحكم بينهم، قد فرض الله في الكتاب حكمين في أصغر من هذا الأمر، الذي فيه سفك الدماء، وقطع الأرحام، وانتهاك المحارم، فتخاصموني من كتاب الله، بما ترون أن لكم الحجة علي، فأجبت حين دعيت إلى الحكم بكتاب الله، وخشيت وهنكم وتفرقكم.


ثم قامت خطباء علي فنحوا في النحو الذي احتج به علي، حتى إذا فرغوا قام خطباء الحرورية فقالوا: إنكم دعوتمونا إلى كتاب الله فأجبناكم، ودعوتمونا إلى العمل به حتى قتلت عليه القتلى يوم الجمل ويوم صفين، وقطعت فيه الأرحام، ثم شككت في أمرك وحكمت عدوك، فنحن على أمرك الذي تركت، وأنت اليوم على غيره إلا أن تتوب وتشهد على نفسك بالضلالة فيما سلف.


فلما فرغوا من قولهم قال علي: «أما أن أشهد على نفسي بالضلالة فمعاذ الله أن أكون ارتبت منذ أسلمت، أو ضللت منذ اهتديت، بل بنا هداكم الله وبنا استنقذكم الله من الضلالة، ولكن حكمت منا حكماً ومنهم حكماً، وأخذت عليهما أن يحكما بكتاب الله وسنة نبيه والسنة الجامعة غير المفرقة، فإذا فعلا كنت ولي هذا الأمر، وإن خالفا لم يكن لهما علي حكم».


فكثر قول علي وقولهم، واختصامهم، ثم تفرقوا فنبذ بعضهم إلى بعض، فأرسل علي إليهم عبد الله بن عباس وصعصعة، فقال لهم












الصفحة 292


صعصعة: اسمعوا مني أعظكم بكلمات، فإن الخصومة قد طالت منذ هذه الأشهر، يا قوم أذكركم الله والإسلام أن تكونوا شيناً لأهل القرآن، فإنكم والله قد فتحتم أمراً لو دخلت فيه هذه الأمة بأسرها ما بلغت غوره أبداً.


قالوا: يا صعصعة إنا نخشى إن أطعناك اليوم أن نبين عاماً قابلاً.


قال: يا قوم إني أذكركم الله والإسلام أن تعجلوا فتنة العام خشية فتنة عام قابل.


قال ابن الكواء ـ وهو رئيسهم الذي دعاهم إلى البدعة التي ركبوها ـ: يا قوم ألستم تعلمون أني دعوتكم إلى هذا الأمر وأنا رأسكم اليوم فيه؟!


قالوا: بلى.


قال: فأنا أول من أطاع. فإن هذا واعظ شفيق على الدين.


فقام معه قريب من خمسمائة، ودخلوا في جماعة أمر علي. وبقي قريب خمسة آلاف، فقاتلهم وقاتلوه، حتى أوصلهم إلى آبارهم.


ثم اعتزل منهم أهل النخيلة، وهم قريب من ألف رجل. فأقرهم، على أن يأخذوا أعطيتهم، لا يزيدون عليها من كل ما مر بهم، ولا يثيرون أحداً، ولا يقطعون سبيلاً.


وقال علي: ذروهم ما تركوكم.


فلم يزالوا على ذلك حتى قتل علي رضي الله عنه(1).


____________



(1) تهذيب تاريخ دمشق ج7 ص305 ـ 307 وراجع أنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص 353 و 354.













الصفحة 293


ابن الكواء، وعلي (عليه السلام):


لما جاء علي (عليه السلام) إلى أهل حروراء، قال لهم: يا هؤلاء، من زعيمكم؟


قالوا: ابن الكواء.


قال: فليبرز إلي.


فخرج إليه ابن الكواء، فقال له علي: يا ابن الكوّاء، ما أخرجكم علينا بعد رضاكم بالحكمين، ومقامكم بالكوفة؟!


قال: قاتلت بنا عدواً لا نشك في جهاده، فزعمت: أن قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار، فبينما نحن كذلك، إذ أرسلت منافقاً وحكمت كافراً. وكان مما [من] شكك في أمر الله أن قلت للقوم حين دعوتهم: «كتاب الله بيني وبينكم، فإن قضى علي بايعتكم، وإن قضى عليكم بايعتموني»، فلولا شكك لم تفعل هذا والحق في يدك.


فقال علي: يا ابن الكواء إنما الجواب بعد الفراغ، أفرغت فأجيبك؟


قال: نعم.


قال علي: أما قتالك معي عدواً لا نشك في جهاده فصدقت، ولو شككت فيهم لم أقاتلهم.


وأما قتلانا وقتلاهم، فقد قال الله في ذلك ما يستغني به عن قولي. وأما إرسالي المنافق، وتحكيمي الكافر، فأنت أرسلت أبا موسى مبرنساً، ومعاوية حكم عمرواً، أتيت بأبي موسى مبرنساً، فقلت: لانرضى إلا أبا موسى، فهلا قام إليّ رجل منكم، فقال: يا علي، لا نعطي هذه الدنية فإنها ضلالة؟












الصفحة 294


وأما قولي لمعاوية: إن جرني إليك كتاب الله تبعتك، وإن جرك إلي تبعتني، زعمت أني لم أعط ذلك إلا من شك، فقد علمت: أن أوثق ما في يدك هذا الأمر، فحدثني ـ ويحك ـ عن اليهودي والنصراني، ومشركي العرب، أهم أقرب إلى كتاب الله أم معاوية وأهل الشام؟.


قال: بل معاوية وأهل الشام أقرب.


قال علي: أفرسول الله (صلى الله عليه وآله) كان أوثق بما في يديه من كتاب الله أو أنا؟!.


قال: بل رسول الله.


قال: أفرأيت الله تبارك وتعالى حين يقول: قل فأتوا بكتاب من عند الله، هو أهدى منهما أتبعه إن كنتم صادقين. أما كان رسول الله يعلم: أنه لا يؤتى بكتاب هو أهدى مما في يديه؟.


قال: بلى.


قال: فلم أعطى رسول الله القوم ما أعطاهم؟


قال: إنصافاً وحجة.


قال: فإني أعطيت القوم ما أعطاهم رسول الله.


قال ابن الكواء: فاني أخطأت، هذه واحدة، زدني.


قال علي: فما أعظم ما نقمتم عليّ.


قال: تحكيم الحكمين، نظرنا في أمرنا فوجدنا تحكيمهما شكاً وتبذيراً.


قال علي: فمتى سمي أبو موسى حكماً، حين أرسل؟ أو حين حكم؟












الصفحة 295


قال: حين أرسل.


قال: أليس قد سار وهو مسلم وأنت ترجو أن يحكم بما أنزل الله؟


قال: نعم.


قال علي: فلا أرى الضلال في إرساله.


فقال ابن الكواء: سمي حكماً حين حكم.


قال: نعم إذاً، فإرساله كان عدلاً، أرأيت يابن الكواء لو أن رسول الله بعث مؤمناً إلى قوم مشركين، يدعوهم إلى كتاب الله، فارتد على عقبه كافراً، كان يضرّ نبي الله شيئاً؟


قال: لا.


قال علي: فما ذنبي أن كان أبو موسى ضل؟ هل رضيت حكومته حين حكم، أو قوله إذ قال؟!.


قال ابن الكواء: لا ولكنك جعلت مسلماً وكافراً يحكمان في كتاب الله.


قال علي: ويلك يا ابن الكواء، هل بعث عمرواً غير معاوية؟ وكيف أحكمه، وحكمه على ضرب عنقي؟ إنما رضي به صاحبه كما رضيت أنت بصاحبك، وقد يجتمع المؤمن والكافر يحكمان في أمر الله. أرأيت لو أن رجلاً مؤمناً تزوج يهودية أو نصرانية، فخافا شقاق بينهما، ففزع الناس إلى الله، وفي كتابه: (فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها)، فجاء رجل من اليهود، أو رجل من النصارى،












الصفحة 296


ورجل من المسلمين، اللذين يجوز لهما أن يحكما في كتاب الله، فحكما.


قال ابن الكواء: وهذه أيضاً، أمهلنا حتى ننظر.


فانصرف عنهم علي.


قال صعصعة بن صوحان: يا أمير المؤمنين، إئذن لي في كلام القوم.


قال: نعم، ما لم تبسط يداً.


قال: فنادى صعصعة ابن الكواء، فخرج إليه، فقال: أنشدكم الله يا معشر الخارجين. ألا تكونوا عاراً على من يغزو لغيره، وألا تخرجوا بأرض تسمُّوا بها بعد اليوم، ولا تستعجلوا ضلال العام خشية ضلال عام قابل.


فقال له ابن الكواء: إن صاحبك لقينا بأمر قولك فيه صغير، فامسك(1).


قال ابن حيان: «كان مع علي جمعية يسيرة، إنما جاء على ان يردهم بالكلام، وقد كانت «الخوارج» قريباً من خمسة آلاف» فقتلهم علي (عليه السلام)»(2).


وقبل أن نختم هذا الفصل نورد نصاً لمحاورة يقال: إنها جرت بين نافع بن الأزرق الخارجي والإمام الباقر (عليه السلام)..


والحقيقة هي أنها إنما جرت بين نافع مولى ابن عمر، لا ابن الأزرق كما سيتضح، والمحاورة هي التالية..


____________



(1) العقد الفريد ج4 ص 351 ـ 353.


(2) راجع: الثقات ج2 ص 296.













الصفحة 297


هل حاور الإمام الباقر نافع بن الأزرق؟!


قال الشيخ المفيد: «جاءت الأخبار: أن نافع بن الأزرق جاء إلى محمد بن علي (عليهما السلام)، فجلس بين يديه، يسأله عن مسائل في الحلال والحرام.


فقال له أبو جعفر (عليه السلام) في عرض كلامه: قل لهذه المارقة، بما استحللتم فراق أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد سفكتم دماءكم بين يديه في طاعته، والقربة إلى الله بنصرته؟! فسيقولون لك: إنه حكم في دين الله، فقل لهم: قد حكم الله تعالى في شريعة نبيه (صلى الله عليه وآله) رجلين من خلقه، فقال: فابعثوا حكماً من أهله، وحكماً من أهلها، إن يريدا إصلاحاً يوفق الله بينهما، وحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) سعد بن معاذ في بني قريظة: فحكم فيهم بما أمضاه الله.


أو ما علمتم: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) إنما أمر الحكمين أن يحكما بالقرآن، ولا يتعدياه، واشترط ردّ ما خالف القرآن من أحكام الرجال.


وقال حين قالوا له: حكمت على نفسك من حكم عليك، فقال: ما حكمت مخلوقاً، وإنما حكمت كتاب الله.


فأين تجد المارقة تضليل من أمر بالحكم بالقرآن واشتراط رد ما خالفه، لولا ارتكابهم في تدعيهم البهتان؟


فقال نافع بن الأزرق: هذا والله كلام ما قرّ بسمعي قط، ولا خطر مني ببال، وهو الحق إن شاء الله)(1).


____________



(1) الإرشاد للمفيد ص265، والاحتجاج ج2 ص57/58.













الصفحة 298


وذكر في تفسير القمي مناظرة بين نافع بن الأزرق ـ ووصفه بأنه مولى عمر بن الخطاب ـ مع أبي جعفر الباقر(عليه السلام)، في السنة التي حج فيها هشام بن عبد الملك. وفي هذه الرواية: أن نافعاً كان بصحبة هشام هذا، وقد تواطأ معه على أن يسأل الإمام عن مسائل بهدف أن يخجله ـ فكانت النتيجة هي إقرار نافع بأنهم (عليهم السلام) أوصياء رسول الله وخلفاؤه(1).


وروي: أن نافع بن الأزرق سأل أبا جعفر (عليه السلام)، قال: اخبرني عن الله عز وجل متى كان؟


قال: متى لم يكن حتى أخبرك الخ(2).


وهذه الفقرة موجودة في الرواية السابقة، كما في الكافي والاحتجاج.


وفي ذيل الرواية التي في الكافي ما يدل على أن نافعاً مولى ابن عمر كان من «الخوارج»، فقد جاء فيها: أن الإمام الباقر (عليه السلام) قال له:


ما تقول في أصحاب النهروان، فإن قلت: إن أمير المؤمنين قتلهم بحق فقد ارتددت.


[أي ارتددت عن مذهب الخوارج الذي تقول به] وإن قلت: إنه قتلهم باطلاً فقد كفرت.


____________



(1) تفسير القمي ج2 ص 284، تفسير سورة الزخرف، والبحار ج 10 ص 161 و162 والرواية في الاحتجاج ج2 ص 95 وليس فيها كلمة ابن الأزرق. وكذا في الكافي ج8 ص 120 وقال في مرآة العقول ج26 ص 513 ـ 515: هو نافع بن سرجس، مولى عبد الله بن عمر، كان ذمياً.. وكان ناصبياً، خبيثاً، معانداً لأهل البيت (عليهم السلام). يظهر من أخبارنا أنه كان يميل إلى رأي الخوارج، كما يدل عليه هذا الخبر..


(2) الاحتجاج ج2 ص54.













الصفحة 299


قال: فولى من عنده، وهو يقول: أنت أعلم الناس حقاً حقاً الخ(1).


ونقول:


أولاً: إن مولى ابن عمر بن الخطاب هو نافع بن سرجس، لا نافع بن الأزرق..


ثانياً: إن ابن الأزرق قد قتل في واقعة الدولاب في سنة 65 هجرية(2)، أي في وقت (كان عمر الإمام الباقر (عليه الصلاة والسلام)، لا يزيد على سبع سنوات. وهو في كنف أبيه الإمام السجاد صلوات الله وسلامه عليه.. فلا يعقل أن تكون تلك الحادثة قد جرت له معه (عليه الصلاة والسلام).


وأما نافع بن سرجس مولى عبد الله بن عمر، فقد توفي في سنة 117 هجرية(3).


وقد كان ناصبياً خبيثاً يميل إلى رأي «الخوارج»(4).


ومعنى ذلك هو أن الروايات المتقدمة إنما تتحدث عن هذا الثاني دون الأول، لكن الرواة قد خلطوا بينهما..


ولعل شهرة ابن الأزرق بمذهب «الخوارج» جعلت أذهان الرواة، تنصرف إليه، فيقحمون كلمة ابن الأزرق بصورة عفوية.. أو استنادا إلى هذا الارتكاز العفوي إن صح التعبير.


____________



(1) الكافي ج8 ص 122.


(2) الكامل في التاريخ ج4 ص 195.


(3) البحار ج10 ص 161/162.


(4) الكافي ج8 هامش ص 120.













الصفحة 300


ثالثاً: إن كلمة ابن الأزرق وكلمة مولى عمر بن الخطاب قد وردتا في رواية واحدة، وصفاً لنافع واحد. كما تقدم في رواية القمي.. وهذا يؤيد ما ذكرناه بصورة ظاهرة وقوية أيضاً.


رابعاً: إن ما ذكرته الرواية من قول ابن الأزرق أخيراً: «هذا والله كلام ما قر بسمعي قط، ولا خطر مني ببال». يثير الدهشة، فإن هذا الكلام قد سمعه «الخوارج» في أول ظهورهم وبداية بغيهم على أمير المؤمنين (عليه السلام)، وقد اعترفوا به، ورجع منهم الكثيرون عن غيهم بسببه. ولا يعقل أن يخفى ذلك على مثل ابن الأزرق الزعيم فيهم، والذي تقوم نحلته على هذا الأساس بالذات وهذا شاهد آخر على أن المقصود ليس هو نافع بن الأزرق، بل مولى ابن عمر كما قلنا.












الصفحة 301