کد مطلب:370272 سه شنبه 23 مرداد 1397 آمار بازدید:66

الفصل الأول الخوارج في البلاد والقبائل














الصفحة 102












الصفحة 103


تأثير علي (عليه السلام) في خوارج الكوفة:


لقد ظهر «الخوارج» ـ أول ما ظهروا ـ في شرقي الدولة الإسلامية، في مناطق العراق، وخصوصاً في منطقة البصرة والكوفة، ثم بدأوا يظهرون في بقية المناطق.


غير أن نظرة فاحصة نلقيها على كل من خوارج البصرة والكوفة تعطينا: أن ثمة فروقاً فيما بينهما في كل من المنطقتين. ولعل ذلك يرجع إلى تأثير علي (عليه السلام) في أهل الكوفة؛ لأنه قد عاش فيما بينهم برهة، وعرفوه عن كثب، ولم يكن ـ والحالة هذه ـ من السهل تضليلهم في شأن علي (عليه السلام)، وفي سلوكه، وسيرته ومواقفه.


هذا بالإضافة إلى تأثير المبادئ الصافية التي أشاعها (عليه الصلاة والسلام) فيما بينهم، حيث تركت لها آثاراً بارزة في عقلية وحياة الكثيرين منهم، وإن كان يختلف ذلك ويتفاوت، بسبب اختلاف الظروف، والحالات بالنسبة لفردٍ وآخر، وفريق أو قبيلة. بالنسبة إلى فريق أو قبيلة أخرى.












الصفحة 104


خوارج البصرة أكثر عدداً:


وعلى هذا الأساس أيضاً يمكن تفسير ظاهرة قلة «الخوارج» في منطقة الكوفة بالنسبة إلى خوارج البصرة. فإن أهل البصرة كانوا يعانون من عقدة ما جرى لهم في حرب الجمل، التي سجل فيها علي (عليه السلام) نصراً ساحقاً وحاسماً، وكانت لهم فيها هزيمة قبيحة وفاضحة ومنكرة.


والبصريون أيضاً لم يعيشوا مع علي، ولا عرفوا الكثير عنه، وعن مبادئه، ومواقفه، وسلوكياته.


خوارج الكوفة أكثر استعداداً للحوار:


والظاهرة التي نلمح إليها بصورة عابرة هنا هي: أن خوارج الكوفة ـ بفعل تأثير علي (عليه الصلاة والسلام) فيهم أيضاً كانوا ـ فيما يظهر ـ أكثر استعداداً للحوار، وأكثر تفاعلاً معه.


فلا عجب إذن إذا كثر فيهم الراجعون إلى أمير المؤمنين (عليه السلام)، والمتراجعون عن مواقفهم منهم. أو الشاكون والمترددون بعد حوار موضوعي بنّاء ومقنع، بخلاف حال خوارج منطقة البصرة الذين كانوا اكثر اندفاعاً نحو الجريمة وأشد امعاناً في اللجاج والعناد.


ومهما يكن من أمر، فإن البصرة والكوفة كانتا معقلهم الأساس في بداية ظهورهم، ثم إنهم كثروا بعد ذلك، وظهروا في مناطق مختلفة، ثم انحسروا ليستقر بهم الأمر في مناطق بعيدة عن مراكز القرار، غرباء عن مواقع الحركة السياسية والحضارية، والثقافية، حتى كان آخرهم لصوصاً سلابين على حد تعبير أمير المؤمنين (عليه الصلاة والسلام).












الصفحة 105


مناطق «الخوارج»:


ومهما يكن، فإن «الخوارج» قد انتشروا في العديد من المناطق في شرق الدولة الإسلامية، مثل: كرمان، وفارس، وغيرها.


وقد استولوا في بعض الفترات على اليمامة، وحضرموت، واليمن، والطائف.


ويقول ابن خلدون: «وكان بنواحي البحرين وعمان إلى بلاد حضرموت، وشرقي اليمن، ونواحي الموصل آثار تفشي وعروق في كل دولة، إلى أن خرج علي بن مهدي من خولان باليمن، ودعا إلى هذه النحلة، وغلب يومئذٍ من كان من الملوك باليمن، واستلحم بني الصلحي القائمين بدعوة العبيديين من الشيعة، وغلبوهم على ما كان بأيديهم من ممالك اليمن، واستولوا أيضاً على زبيد ونواحيها من يد موالي بني نجاح، ومولى ابن زياد..


إلى أن قال: ويقال: إن باليمن لهذا العهد شيعة من هذه الدعوة ببلاد حضرموت، والله يضل من يشاء، ويهدي من يشاء..»(1).


وقال المجلسي: «صاروا نحواً من عشرين فرقة. وكبارها ست: الأزارقة أصحاب نافع بن الأزرق، وهم أكبر الفرق، غلبوا على الأهواز وبعض بلاد فارس وكرمان في أيام عبد الله بن الزبير.


والنجدات، رئيسهم نجدة بن عامر الحنفي.


والبهيسية أصحاب أبي بيهس هيصم بن جابر، وكان بالحجاز، وقتل في زمن الوليد.


____________



(1) تاريخ ابن خلدون ج3 ص170.













الصفحة 106


والعجاردة أصحاب عبد الكريم بن عجرد.


والإباضية أصحاب عبد الله بن إباض قتل في أيام مروان بن محمد.


والثعالبة أصحاب ثعلبة بن عامر»(1).


وقال المسعودي: «.. وذكرنا مواضعهم من الأرض في هذا الوقت مثل من سكن منهم من بلاد شهرزور، وسجستان، واصطخر، من بلاد فارس، وبلاد كرمان، وأذربيجان، وبلاد مكران، وجبال عمان، وهراة من بلاد خراسان، والجزيرة، وتاهرت السفلى، وغيرها من بقاع الأرض»(2).


وقال المعتزلي: «.. ويقال: إن في عمان وما والاها، من صحار وما يجري مجراها قوماً يعتقدونه فيه ما كانت «الخوارج» تعتقده فيه، وأنا أبرأ إلى الله منهما»(3).


والخلاصة: أن «الخوارج» كانوا متواجدين بشكلٍ وبآخر في فترات تاريخية تختلف وتتفاوت في العديد من المناطق مثل: فارس، ومكران، وعُمان، واليمامة، ونواحيها إلى حضرموت، وهجر، والموصل، وعامة أرض اليمن، والجزيرة، وسجستان، وخراسان، وكرمان، وقهستان(4).


____________



(1) بحار الأنوار ـ ط قديم ج8 ص572.


(2) مروج الذهب ج3 ص193.


(3) شرح النهج ج18 ص282.


(4) راجع فيما تقدم، كلاً أو بعضاً، المصادر التالية: جمهرة أنساب العرب ص322، والفرق بين الفرق ص85 و98و99 وتاريخ اليعقوبي ج2 ص272/273 والبحر الزخار ج1 ص42 وأنساب الأشراف ج4 ص28 والحور العين ص202 والملل والنحل ج1 ص118و119و124 وراجع: نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص174 والعقود الفضية ص66 عن الموسوعة العربية الميسرة.













الصفحة 107


وهذه الأربعة الأخيرة كانوا على مذهب عطية، كما أن «عامة الشيبانية بجرجان، ونسا، وأرمينية»(1).


وقد وصف الأصمعي الأمصار في زمنه، فقال: «البصرة كلها عثمانية، والكوفة كلها علوية، والشام كلها أموية، والجزيرة خارجية، والحجاز سنة»(2).


والتعليل الذي أورده ابن عبد ربه هو: «والجزيرة خارجية، لأنها مسكن ربيعة، وهي رأس كل فتنة»(3).


وعلى حسب نص المعتزلي: «وأما الجزيرة فحرورية مارقة، والخارجية فيهم فاشية، وأعراب كأعلاج، ومسلمون أخلاقهم كأخلاق النصارى»(4).


وقال محمد بن علي العباسي زعيم الحركة العباسية لدعاته: «أما الكوفة وسوادها، فهناك شيعة علي وولده، وأما البصرة وسوادها فعثمانية، وأما الجزيرة فحرورية مارقة، وأعراب كأعلاج، ومسلمون أخلاقهم كأخلاق النصارى»(5). ونقل عن الأصمعي أيضاً ما يقرب من هذا(6).


____________



(1) الملل والنحل ج1 ص133.


(2) العقد الفريد ج6 ص248.


(3) العقد الفريد ج6 ص248.


(4) شرح نهج البلاغة، لابن أبي الحديد المعتزلي ج15 ص293.


(5) معجم البلدان للحموي ج2 ص352 وأحسن التقاسيم ص293 وعيون الأخبار لابن قتيبة ج1 ص204 والسيادة العربية والشيعة والإسرائيليات ص93 وراجع الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري ج1 ص102.


(6) روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص67 والعقد الفريد ـ ط دار الكتاب العربي ج6 ص248.













الصفحة 108


وقال الأشعري: «.. والكور الغالب عليها الخارجية: الجزيرة، والموصل، وعمان، وحضرموت، ونواح من المغرب، ونواح من خراسان.


وقد كان لرجل من الصفرية سلطان في موضع يقال له: سجلماسة، على طريق غانة»(1).


وجاء في سياق كلام أحمد أمين المصري: «كانوا فرعين: فرعاً بالعراق وما حولها. وكان أهم مركز لهم البطائح، بالقرب من البصرة، وقد استولوا على كرمان، وبلاد فارس، وهددوا البصرة... إلى أن قال: وفرعاً بجزيرة العرب، استولوا على اليمامة وحضرموت، واليمن والطائف»(2).


لابد من الدقة:


إننا نعتقد أن ما يذكرونه من تواجد «الخوارج» في المناطق المشار إليها تعوزه الدقة، والموضوعية..


ولعلنا نلمس بعض الميل إلى تضخيم أمر «الخوارج»، واعتبارهم ثواراً حقيقيين تجسدت فيهم آمال الجماهير، فانساقت وراءهم، حيث استهوتها شعاراتهم، وبهرتها مواقفهم وبطولاتهم، لاسيما وأنها لمست فيهم الصلابة في الدفاع عن الدين والحق، وعن المظلومين.


ولكننا إذا راجعنا وقائع التاريخ، لاسيما تاريخ «الخوارج»، نجد: أنهم بسبب ما ظهر منهم، قسوة وعنف قد أثاروا جواً من الرعب والخوف


____________



(1) مقالات الإسلاميين ج1 ص191.


(2) فجر الإسلام ص257/258.













الصفحة 109


والإحباط لدى عامة الناس الأبرياء. إلى حد لم يعد يمكن اعتبار استيلائهم على بعض البلاد يمثل استجابة لحالة شعبية، أو يعكس رضى عامة الناس، أو يدل على قبولهم للعقيدة الخارجية. فإن الناس كانوا يحبون السلامة. وكانت شراذم «الخوارج» لا ترحم أحداً، ولا ترثي لحال أحد، فهي تستحل دماء الناس حتى الطفل الصغير، والشيخ الكبير لأتفه الأسباب، بل وبدون سبب على الإطلاق. ولم تقتصر حالة الخوف هذه على القرن الأول الهجري، بل استمرت إلى ما بعد كسر شوكة «الخوارج» بعد عشرات بل مئات السنين من ذلك، حتى لنجد أن الفضل بن شاذان المتوفي سنة 260هـ.ق «كان برستاق بيهق، فورد خبر «الخوارج»، فهرب منهم، فأصابه التعب من خشونة السفر؛ فاعتل ومات»(1).


«الخوارج» في إفريقية:


والظاهر أن إفريقية لم تعرفهم إلا في عهد العباسيين، غير أنهم يقولون: إن عكرمة هو سبب نشر الصفرية في بلاد المغرب، مما يعني: أنهم انتشروا في المغرب في وقت متقدم أي منذ عهد الدولة الأموية أيضاً. وقد انتشر مذهب الإباضية منهم في شمال إفريقية، ثم في الساحل الشرقي لإفريقية(2).


وقال الذهبي: «.. وخوارج المغرب إباضية، منسوبون إلى عبد الله بن يحيى بن إباض، الذي خرج في أيام مروان الحمار، وانتشر أتباعه بالمغرب»(3).


____________



(1) إختيار معرفة الرجال ص543.


(2) راجع: دائرة المعارف الإسلامية ج8 ص474..


(3) سير أعلام النبلاء ج15 ص153.













الصفحة 110


وكان مخلد بن كيداد رأس الإباضية، قد ظهر على أغلب المغرب، ولم يبق لبني عبيد سوى المهدية(1).


وقد قال الذهبي عن مخلد هذا: «كاد أن يمتلك العالم»(2).


ونص آخر يقول عن الإباضية: «هي فرقة خارجية، لاتزال قائمة في بلاد طرابلس، وفي زنجبار، وعمان»(3).


ويقول آخر: «وهناك إباضيون حتى اليوم في عمان، والجزائر، وزنجبار»(4).


وقد تقدم قول الأشعري، حول تواجد «الخوارج» في نواحٍ من المغرب، وأنه: «كان لرجل من الصفرية سلطان في سجلماسة، على طريق غانة».


«الخوارج» في القبائل وبني تميم:


إن مراجعة النصوص التاريخية تعطي: أن غالبية «الخوارج» كانوا من بني تميم(5).


ويذكر المؤرخون هنا: أنه قد كان في الأزد، وهمدان، وبكر، وغيرهم خوارج(6) أيضاً.


____________



(1) سير أعلام النبلاء ج15 ص156.


(2) سير أعلام النبلاء ج15 ص153.


(3) نظرة عامة في تاريخ الفقه الإسلامي ص174.


(4) العقود الفضية ص66 عن الموسوعة العربية الميسرة.


(5) قضايا في التاريخ الإسلامي ص37و68 عن العبر ج3 ص145 وعن الطبري ج5 ص516 وعن فجر الإسلام ص256.


(6) جمهرة أنساب العرب ص364 والاخبار الطوال ص197 وتاريخ الدولة العربية ص78 وقضايا في التاريخ الإسلامي ص38.


 













الصفحة 111


وذكرت بعض المصادر: أن أهل عمان إباضية، وأئمتهم من الأزد. ومن الإباضية باليمن طائفة من همدان في مغارب همدان. وفي حضرموت طائفة من «الخوارج»، من بشق، بطن من همدان(1).


ويستظهر الجاحظ: أن بني صريم ـ وهم من بني تميم ـ كانوا من «الخوارج» أيضاً(2).


والظاهر هو أن أكثر «الخوارج» كانوا من بني تميم، من ربيعة اليمن(3).


ولعل ذلك يفسر لنا ما ورد من أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد وصف مسجداً لبني تميم بأنه بيعة(4).


وكان «الخوارج» في البربر أيضاً، فإن بني برزال وبني واشين إباضية(5).


ويقول الذهبي عن البرير: «ثم كان الذين أسلموا خوارج وإباضية، حاربوا مرات، وراموا الملك، إلى أن سار إليهم داعي المهدي، فاستمالهم، وأفسد عقائدهم»(6).


دور العرقية في مواقف ربيعة:


ويقولون: إن ربيعة اليمن كانت تتحرك على أساس عرقي في هذا


____________



(1) الحور العين ص202و203.


(2) البيان والتبيين ج1 ص206.


(3) راجع: تاريخ الإسلام السياسي ج1 ص397 وقضايا في التاريخ الإسلامي ص68و71 وضحى الإسلام ج3 ص332 والخوارج والشيعة ص74 ودائرة المعارف الإسلامية ج8 ص470 وتعليقات الدكتور مشكور على كتاب: المقالات والفرق ص130.


(4) المصنف للصنعاني ج3 ص153.


(5) جمهرة أنساب العرب ص488.


(6) سير أعلام النبلاء ج18 ص429.













الصفحة 112


المجال.


وبذلك فسروا قول الأصمعي: «.. والجزيرة خارجية، لأنها مسكن ربيعة. وهي رأس كل فتنة»(1).


وتقدم: أن علي بن عبد الله بن العباس قد اعتبر الجزيرة خارجية مارقة، ومسلمين أخلاقهم كأخلاق النصارى..


وقال هارون الرشيد ليزيد بن مزيد: «ما أكثر الخلفاء من ربيعة؛ قال: بلى، ولكن منابرهم الجذوع»(2).


فيرى البعض أن: «.. من أعظم هذه الأمور التي حفزتهم على الخروج غير الحق الذي اعتقدوه: أنهم كانوا يحسدون قريشاً على استيلائهم على الخلافة، واستبدادهم بها دون الناس. والدليل على ذلك: أن أكثرهم من القبائل الربعية التي قامت بينها وبين القبائل المضرية الإحن الجاهلية، التي خفف الإسلام من حدتها، ولم يذهب بكل قوتها، بل بقيت منها آثار غير قليلة مستمكنة في النفوس»..


إلى أن قال: «وإذا كان كذلك؛ فلابد وأن نتصور: أن الخوارج وأكثرهم ربعيون رأوا الخلفاء من مضر، فنفروا من حكمهم، واتجهوا في تفكيرهم نحو الخلافة تحت ظل هذا النفور، من حيث لا يشعرون الخ..»(3).


ويقول أيضاً: «.. والحق أن مبادئهم مظهر واضح لتفكيرهم، وسذاجة عقولهم، ونظراتهم السطحية، ونقمتهم على قريش، وكل القبائل المضرية..»(4).


____________



(1) روض الأخيار المنتخب من ربيع الأبرار ص67 والعقد الفريد ج6 ص248.


(2) العقد الفريد ج6 ص248.


(3) راجع: تاريخ المذاهب الإسلامية ص69/70.


(4) المصدر السابق ص71.













الصفحة 113


أما بروكلمان، فيقول عن حركة الخوارج: «أطلعت رأسها الآن في الجزيرة الشمالية، بين قبائل ربيعة، التي كانت تنفس على قريش بالخلافة»(1).


هذا.. ولربما يمكن الاستشهاد لما أشار إليه هؤلاء بما كان من أبي حمزة الخارجي، حينما غزا المدينة، حيث كان يقتل القرشي، ويدع الأنصاري، كما ذكره المؤرخون.


ربيعة مظلومة:


ولكننا لا نستطيع أن نوافق هؤلاء على مبالغاتهم هذه في اتهام ربيعة، وتأثير العرقية، فيها وإن كنا لا ننكر وجود تأثير للعرقية بدرجة ما..


ولعل ربيعة الذين كانوا من سكان الجزيرة هم الذين اتجهوا نحو نحلة «الخوارج».. دون سائر قبائل ربيعة، فإن تعميم الكلام لربيعة كلها بعيد عن الإنصاف والموضوعية، ولعل هذا التصميم على الإجحاف في حق ربيعة، قد جاء على سبيل المضادة والإدانة لموقف علي (عليه السلام).


وذلك لأن عماد عسكر علي (عليه السلام) كان ربيعة ومضر، وإن كان جيشه (صلوات الله وسلامه عليه) لم يخل من بعض القبائل اليمانية، مثل كندة، ومذحج، وهمدان، وطي، وغيرهم.


وقد استمر وفاء ربيعة لمبادئها بصورة أزعجت الحكم الأموي.


يقول المرزباني:


____________



(1) تاريخ الشعوب الإسلامية ص164.













الصفحة 114


«قال أبو عبيدة: ولما قتل علي بن أبي طالب أراد معاوية الناس على بيعة يزيد؛ فتثاقلت ربيعة، ولحقت بعبد القيس في البحرين، واجتمعت بكر بن وائل إلى خالد بن المعتمر»(1).


فلما تثاقلت ربيعة تثاقلت العرب أيضاً؛ فضاق معاوية بذلك ذرعاً، فبعث إلى خالد؛ فقدم عليه؛ فلما دخل عليه رحب به وقال: «كيف ما نحن فيه؟


قال: أرى ملكاً طريفاً، وبغضاً تليداً.


فقال معاوية: قل ما بدالك، فقد عفونا عنك، ولكن ما بال ربيعة أول الناس في حربنا،وآخرهم في سلمنا؟»(2).


وقال المرزباني: «كان حميداً بليغاً، اجتمعت عليه ربيعة بعد موت علي، لما حلف معاوية أن يسبي ربيعة، ويبيع ذراريهم لمسارعتهم إلى علي، فقال خالد»(3):


 

















أما في ابن حرب حلفة في نسائنا ودون الذي ينوي سيوف قواضب
سيوف نطاق والقناة فتستقي سوى بعلها بعلاً وتبكي الغرائب
فإن كنت لا تغضي على الحنث فاعترف بحرب شجى بين اللها والشوارب



قال فيه أيضاً، وقد ذكر له علياً:


 













معاوي لا تجهل علينا فإننا نذلك(4) في اليوم العصيب معاوياً
ودع عنك شيخاً قد مضى لسبيله على أي حاليه مصيباً وخاطبياً(5)



____________



(1) راجع الخوارج في العصر العباسي ص67 عن المعتزلي في شرح النهج ج1 ص502 ـ ط الحلبي ـ وكتاب صفين للمنقري ص205 والكامل للمبرد ج3 ص909.


(2) تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص92.


(3) هو خالد بن ربيعة، بن مر، بن حارثة.


(4) في الإصابة: يد لك.


(5) تهذيب تاريخ دمشق ج5 ص37 والإصابة ج1 ص460. والقضية في كتاب صفين للمنقري ص294 ولكن باختلاف كثير، فلتراجع..













الصفحة 115


وقال علي (عليه السلام) لربيعة في صفين: «أنتم درعي ورمحي»(1).


وحينما طعن الإمام الحسن (عليه السلام)، من قبل المتمردين عليه في جيشه، «دعا ربيعة وهمدان، فأطافوا به، ومنعوه؛ فسار، ومعه شوب من غيرهم»(2).


وجاء في كتاب من أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى ابن عباس: «.. وانته إلى أمري ولا تعده، وأحسن إلى هذا الحي من ربيعة..»(3).


وفي حرب صفين قال (عليه السلام): «.. أما بعد، يا معشر ربيعة، فأنتم أنصاري، ومجيبو دعوتي، ومن أوثق حي في العرب في نفسي»(4).


وفي مقام آخر في صفين، يسأل (عليه السلام): «لمن هذه الرايات؟ قلنا: رايات ربيعة. قال: بل هي رايات الله، عصم الله أهلها وصبرهم، وثبت أقدامهم»(5).


وقال عمرو بن العاص لمعاوية في صفين: «إن أصبحت ربيعة متعطفين حول علي تعطف الإبل حول فحلها، لقيت منهم جلاداً صادقاً، وبأساً شديداًً..» إلى أن قال النص التاريخي: فلما نظر معاوية إليهم قد أقبلوا قال:


 









إن قلت قد ولت ربيعة أقبلت كتائب منهم كالجبال تجالد



____________



(1) مروج الذهب ج2 ص386 وكتاب صفين للمنقري ص402 والأخبار الطوال ص186.


(2) كشف الغمة للأربلي ج2 ص166 وراجع: الأخبار الطوال ص217 والإرشاد للمفيد ص209، وشرح النهج للمعتزلي ج16 ص41.


(3) كتاب صفين للمنقري ص105.


(4) المصدر السابق ص287.


(5) المصدر السابق ص288.













الصفحة 116


وكانت النتيجة:»أن فر معاوية عن سرادقه إلى بعض مضارب العسكر، خوفاً من ربيعة»(1).


وفي نص آخر: «وذكروا: أن علياً كان لا يعدل بربيعة أحداً من الناس»(2).


وقد أساءت له مضر(3) وخذلته بسبب ذلك، ووقفوا على الحياد حتى قال: «أليس من العجب أن ينصرني الأزد وتخذلني مضر؟!»(4).


وقال المسعودي: «.. ولعلي في ربيعة كلام كثير، يمدحهم فيه، ويرثيهم، شعراً، ومنثوراً. وقد كانوا أنصاره وأعوانه، والركن المنيع من أركانه، فمن ذلك بعض قوله يوم صفين» ثم يذكر الأبيات التي يذكر ويمدح فيها حضين بن المنذر:


 









لمن راية سوداء يخفق ظلها إذا قيل: قدمها، حضين تقدما



ومن جملتها قوله:


 

















جزى الله قوماً قاتلوا في لقائه لدى الموت قدماً، ما أعز وأكرما
وأطيب أخباراً، وأكرم شيمة إذا كان أصوات الرجال تغمغما
ربيعة أعني، إنهم أهل نجدةٍ وبأسٍ إذا لاقوا خميساً عرمرما(5)



كما أننا نجده في حرب الجمل، قد اشتد حزنه (عليه الصلاة والسلام) على من قتلهم طلحة والزبير من ربيعة، قبل وروده (عليه السلام)


____________



(1) المصدر السابق ص305 و306.


(2) المصدر السابق ص308.


(3) المصدر السابق.


(4) عن شرح النهج للمعتزلي ج4 ص46.


(5) مروج الذهب ج3 ص48، والأبيات موجودة في تاريخ الطبري ج4 ص26، وكتاب صفين للمنقري ص289.













الصفحة 117


البصرة؛ وكان يكثر من قوله:


 









يا لهف نفسي على ربيعة ربيعة السامعة المطيعة(1)



ولما أراد أهل الكوفة، بعد موت يزيد بن معاوية لعنه الله تعالى أن يؤمروا عليهم عمر بن سعد لعنه الله، حتى ينظروا في أمرهم، جاءت نساء همدان، وربيعة، وكهلان، والأنصار، والنخع إلى الجامع الأعظم صارخات، باكيات، معولات، يندبن الحسين، ويقلن: أما رضي عمر بن سعد بقتل الحسين، حتى أراد أن يكون أميراً علينا، على الكوفة؟!.. فبكى الناس، وأعرضوا عنه»(2).


وحينما أراد ابن عامر انتخاب ثلاثة آلاف من الشيعة لحرب «الخوارج»، نجد أن قائده شريك بن الأعور قد ألحّ على فرسان ربيعة [أي أخرج الأكثر منهم] الذين كان رأيهم في الشيعة، وكانت تجيبه العظماء منهم»(3).


ومهما يكن من أمر؛ فإن النصوص المتقدمة، تفيدنا أمرين:


أحدهما: أن ربيعة كانت في جانب أمير المؤمنين (عليه السلام)، وكان لمواقفها النضالية آثاراً عميقة على معاوية، وعلى سائر خصوم علي (عليه السلام)، وكانت درع علي (عليه السلام) ورمحه.


الثاني: أن الحكام الأمويين والعباسيين، كانوا ـ على حد سواء ـ يكنون الحقد والبغض لربيعة، بما لا مزيد عليه. حتى إن هشام بن عبد الملك يرفض الاستعانة بربعي، ويقول:


____________



(1) مروج الذهب ج2 ص369.


(2) مروج الذهب ج2 ص105 ومقتل الحسين للمقرم ص246 عنه.


(3) تاريخ الطبري ج4 ص148 وراجع: الكامل لابن الأثير ج4 ص431.













الصفحة 118


«لا حاجة لي فيه؛ لأن ربيعة لا تسد بها الثغور»(1).


وتقدم: أن تثاقل ربيعة عن البيعة ليزيد، قد نشأ عنه تثاقل العرب عنها، وهذا ما لا يمكن لمعاوية أن يغفره، أو أن يتغاضى عنه على الإطلاق.


وتقدم أيضاً: أنهم كانوا أول الناس في بغض معاوية وحربه، وآخر الناس في سلمهم.


وأن معاوية قد حلف أن يسبي ربيعة، ويبيع ذراريهم لمسارعتهم إلى علي (عليه السلام).


كما أن العباسيين وأنصارهم يشنون حملات شعواء على ربيعة، حتى إن الأصمعي يعتبر ربيعة رأس كل فتنة وتقدم رأي علي بن عبد الله بن العباس فيها.. وتقدمت محاورة الرشيد مع يزيد بن مزيد.. الأمر الذي يدل على أن ربيعة كانت مصدر متاعب كبيرة لأولئك الحكام، الأمويين والعباسيين على حد سواء، وأنهم كانوا يرونها مصدر كل بلاء وشر لهم.


وفي كلام الرشيد المتقدم: أن أكثر منابرهم الجذوع ما يفيد أن طلاب الحكم والسلطان في ربيعة كانوا كثيرين، وإن كانت نهاياتهم هي القتل والصلب في أكثر، أو في جميع الأحيان..


وطبيعي أن طلبهم للحكم والسلطان، وما يلازم ذلك من حركات مسلّحة، وثورات لم يكن ليحظى بإعجاب السلطات الحاكمة، ولا ليروق لها.


____________



(1) الأخبار الطوال، ص340، وراجع ص141.













الصفحة 119


وهكذا.. فإننا بعد كل ما تقدم لا يمكن أن نطمئن إلى صحة تعليلاتهم التي حاولوا بها توجيه كثرة «الخوارج» من ربيعة، مادام أن أصل القول بأن يكون غالب «الخوارج» منهم محل شك وريب كبيريب.


وإن كنا لا نستبعد أن يكون بعض الربعيين قد انضموا إلى صفوف «الخوارج»، رغبة في حرب الأمويين لأسباب عديدة، أهمها ما يرونه من انحراف الأمويين عن الإسلام.. ثم اضطهادهم لهم بسبب نصرتهم لعلي،.. وكذلك بسبب يمانيتهم.


فقد قال هشام بن عبد الملك: «لا حاجة لي في اليمانية ـ وكان هشام يبغض اليمانية، وكذلك سائر بني أمية»(1).


فلأجل قحطانيتهم، ولأجل أن «الخوارج» اليمانية قد قويت شوكتهم. ولأن الأنصار محبي علي (عليه السلام) كان اكثرهم من اليمانية أيضاً. ـ نعم من أجل ذلك كله ـ ازاداد كره الأمويين وغيرهم من أعداء علي (عليه السلام) لهم، فصاروا يصفونهم بالخارجية ربما ليجدوا السبيل لملاحقتهم، والقضاء عليهم.


____________



(1) الأخبار الطوال ص340.













الصفحة 120












الصفحة 121